ابن الفارض
175
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
بإسراء الحق تعالى بسرّه إليه كما أسرى بسرّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وصورته ليلة المعراج إلى حضرته الرفيعة المنيعة ، فقال : وإسراء سرّي عن خصوص حقيقة * إليّ كسيري في عموم الشّريعة ( الإسراء والسرى ) : السير بالليل ، فعلى هذا الإسراء لازم وتعديته بالباء ؛ كما في قوله تعالى : أَسْرى بِعَبْدِهِ [ الإسراء : الآية 1 ] ، ويجيء متعدّيا كما في الإذهاب ومجيئه هنا بالمعنى الثاني ، والمعنى : بدأ بإسراء الحق تعالى بسرّه إليه كما أسرى بسرّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إلى البيت ، كأنه أجاب عن اعتراض مقدّر على إسراء الحق بسرّه عن مقام الحقيقة ، وهو أن الإسراء يشعر بإبعاد المسري عن مقامه ، فلا يليق دعواه بمن يدّعي وصول سرّه إلى مقام الحقيقة والاتّحاد الذي ليس فوقه مقام ؛ لأنه يلزم حينئذ أحد أمرين إما كذب ، وهو محظورا ، وكون الحقيقة دون النهاية ، وهو غير مشهور ؛ إذ نهاية الشريعة هي طريق المسير من سيّئات الأعمال والأخلاق إلى حسناتها ، والطريقة هي طريق المسير من الموجودات الحادث إلى القديم هي الحقيقة ، وليس وراءها نهاية ، فأجاب عنه بأن إسراء سرّه عن مقام خصوص الحقيقة يكون عن ذاته ، كما أن سيره في عموم الشريعة كذلك ، فلا يكون فوق حقيقة ذاته نهاية سيري إليها ، ولما كان الستر وهو فعل العبد ودعاؤه قبل وصوله إلى الحقيقة باقيا بعده لبقاء حكم البشرية [ 219 / ق ] ، فوجود الإسراء ، وهو فعل الحق تعالى وتصرّفه في عبده بعد فنائه أجدر ، وأولى بالبقاء ، ولا يقدح في مقام الوصول إلى الحقيقة ، كما لا يقدح السير فيه ، وهذه الإجابة تتضمّن دعوى الإسراء ، أولا يتوجّه الاعتراض عليه ، ثانيا : قيّد الحقيقة بالخصوص والشريعة بالعموم ؛ لأن الحقيقة بحر لا يغوص في تياره إلّا آحاد أفراد ، والشريعة طريقة يسلكها العام والخاص ، ولمّا كانت الشريعة تتعلق بطريق البشرية والحقيقة بطريق الروحانية والكمال يقتضي رعاية حكم الطريقين ، وأن لا يذهل صاحبه برعاية أحدهما عن الآخر ، قال : ولم أله باللّاهوت عن حكم مظهري * ولم أنس بالنّاسوت مظهر حكمتي المراد ( باللّاهوت ) : الروحانية ، و ( بالناسوت ) : البشرية ، وهما فعلوت من لاه يليه لها ، احتجب لاحتجاب الروحانية ، وناس ينوس نوسا تحرك لتحرك البشرية بتحريك الروحانية ، ومنه تسمية البشر ناسا ، والروحانية مظهر حكم الأحكام ، والبشرية مظهرها ، أي : ولم أغفل بسبب الروحانية ، واشتغالي بها بوصف الجمع عن التفرقة ، ولم أنس بسبب البشرية واشتغالي بها بنعت التفرقة حكم الروحانية واشتغالي بها